الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
242
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
التشديد السابق الذي مر بنا خلال آيات السابقة في تجنب عقد الولاء لأعداء الله ، يتحدث القرآن الكريم عن إبراهيم ( عليه السلام ) ومنهجه القدوة كنموذج رائد يحظى باحترام جميع الأقوام وخصوصا العرب منهم . قال تعالى : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ( 1 ) . إن حياة إبراهيم ( عليه السلام ) الذي هو كبير الأنبياء ، تلهمنا دروس العبودية لله ، والطاعة والجهاد في سبيله ، والوله والحب لذاته المقدسة ، إن هذا النبي العظيم الذي كانت الأمة الإسلامية من بركة دعائه ، وهي معتزة بالتسمية التي أطلقها عليهم ، هو لكم أسوة حسنة في هذا المجال . والمراد من تعبير الذين معه هم المؤمنون الذين ساروا برفقته في هذا الطريق بالرغم من قلة عددهم ، وهنا رأي آخر في تفسير الذين معه يرى أن المقصود هم الأنبياء الذين كانوا يشاركونه بالرأي ، أو أن المقصود هم الأنبياء المعاصرون له ، وهو احتمال مستبعد ، خاصة إذا أخذنا ما يناسب المقام في تشبيه القرآن الكريم لرسول الإسلام محمد بإبراهيم ( عليه السلام ) ، وتشبيه المسلمين بأصحابه وأعوانه . وجاء في التواريخ أيضا أن جماعة في " بابل " آمنوا بإبراهيم ( عليه السلام ) بعد مشاهدة المعاجز التي ظهرت على يديه ، وصاحبوه في الهجرة ، قال ابن الأثير في الكامل ( ثم إن إبراهيم والذين اتبعوا أمره أجمعوا على فراق قومهم فخرج مهاجرا ) ( 2 ) . ثم يضيف سبحانه لتوضيح هذا المعنى : إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم
--> 1 - ذكر المفسرون احتمالات عدة في إعراب هذه الجملة ، والظاهر أن ( أسوة حسنة ) اسم كان ، و ( لكم ) خبرها و ( في إبراهيم ) متعلق ب ( أسوة حسنة ) ولابد من الالتفات ضمنا إلى أن أسوة بمعنى التأسي والاقتداء الذي يكون أحيانا بالأعمال الجيدة وأخرى بالسيئة ولذا قيدت هنا ب ( الحسنة ) . 2 - الكامل في التاريخ ، لابن الأثير ، ج 1 ، ص 100 .